أكثر الشعراء في ذكر الحب في أشعارهم، بل لعل بعضهم ليس له قصائد إلا في الحب
وما تعلق به.
وتتعدد تعريفات الشعراء والأدباء للحب في أشعارهم ومنثوراتهم، وتختلف نظرتهم
إليه، وتتعدد أقوالهم فيه.
وللأدباء والشعراء من الطرائف والملح ما يدخل السرور على النفس، ويثلج الخاطر،
فهلم بنا إلى هذه الروضة الغناء نجتني من ثمرها.
فيما قاله الشعراء في تعريف الحب ونظرتهم إليه
يقول شيخ شعراء العربية أبو الطيب المتنبي، مجيبا لكل من قد يتساءل عن: ما هو الحب عندك يا صاحب الحكمة؟
وما العشقُ إلا غِرّةٌ وطماعةٌ
يُعرّضُ قلبٌ نَفسَه فيُصاب
وروي فتصاب، وكلا المعنين جائز.
وفيما يلي أبيات شعر عن الحب وأهمية أن يتخذ الإنسان حبيبا
وقيل: كان ابن أبي مليكة يؤذّن فسمع غناء فطرب وقال:
إذا أنتَ لمْ تعشقْ ولم تدرِ ما الهَوى
فكُن حجراً من يابسِ الصَّخرِ جلمدا
وقال أيضا:
من عاشَ في الدنيا بغيرِ حبيبِ
فحياتُه فيها حياةُ غريبِ
ما تنظر العينانِ أحسنَ منظر
مِن طالبٍ إلفا ومِن مطلوب
ما كان في حور الجِنان لآدم
لو لم تكُن حواء من مَرغوب
قد كان في الفردوس يشكو وحشةً
فيها ولم يأنس بغير حبيبِ
كيف وصف الأقدمون الحب والعشق؟
وصف أعرابي الهوى فقال: هو طرف من الجنون، إن لم يكن عصارة السحر.
وقال غيلان بن عقبة:
هو السِّحر إلا أن للسّحر رقيةً
وإنّي لا ألقى من الحُب راقيَا
أورد الراغب الأصفهاني في كتابه محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
هذا البيت ونسبه لغيلان بن عقبة، وأحسبه للمجنون.
فقد قال المجنون:
هي السِّحرُ إلا أن للسِّحرِ رُقية
وأني لا أُلفي لها الدهرَ راقيا
فأي المحبين جدير بهذا الشجى؟
مكانة المحبوب عند الشعراء
إن للمحبوب مكانة عظيمة عند كل محب، وليس في استطاعة الجميع إعلام المحبوب بمكانته، أو إعلام غيره كلاما، نظما كان أو نثرا، بل يظهر هذه المكانة للمحبوب في نفسه منهم الفصيح المبين، ومنه قول عنترة الخالد خلود العربية في معلقته الشهيرة:
ولقد ذكرتُك والرماح نواهل
مني وبيض الهندِ تقطُر من دمي
فوددتُ تقبيل السّيوفِ لأنها
لمعت كبارقِ ثَغرِكِ المتبسِّمِ
فأي مكانة هذه في نفسه لمحبوبته حتى يقول هذا الذي قال؟؟
وقال كُثَيّر :
أباحت حِمىً لم يَرعه الناس قبلها
وحلّت تِلاعاً لم تكن قبلُ حُلّتِ
وقال عمر بن أبي ربيعة
فمَن كان لا يعدو هواه لسانَه
فقد سار في قلبي هواك وخَيّمَا
وليس بتزويق اللّسان وصوغِه
ولكنّه قدْ خالطَ اللّحمَ والدّمَا
قال عبد الله بن جندب: خرجتُ فرأيتُ فُسّاقاً فيهنّ امرأةٌ كأنّها منحوتةٌ من فِضّة
فَتمثلتُ بقول قيسِ بن ذُريح :
خذوا بدمي إن مِتُّ كلّ خريدةٍ
مريضة جفنِ العينِ والطرف فاتر
فقالت المرأة: يا ابن جُندب إنّ قَتيلنا لا يُودى وأسيرَنا لا يُفدى.
وصدقت، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: قتيل الهوى هدر، لا عقل ولا قود. ذكره الراغب في محاضرات الأدباء، وابن حزم في طوق الحمامة...
ومن هذا الباب أن المحب يعذُب له العذاب في حبيبه ويهون عنده بل ويفرح به.
قال المجنون:
يقولون ليلى عذبّتك بِحُبّها
ألا حبّذا ذاك الحبيب المُعذّب
وقال المتنبي:
والعشق كالمعشوق يعذب قربه
للمُبتلى وينال من حَوْبائِه
لو قُلتَ للدّنف الحزين فديته
ممّا به لأغرته بفدائه
طرائف: ادعاء الحب والعشق والوله
والميل إلى النساء وادعاء حبهن، مكر من مكر الرجال، لبلوغ ما يبلغ منهن، ولا يتورع الرجال عن الكذب ونعت المرأة بالحسناء وإطلاق الوعود بنية مبيتة على غير الوفاء من أجل حاجة في أنفسهم.
ومن طريف ما يروى أنه قال رجل لامرأة: قد أخذتِ بِمَجامع قلبي فلستُ أستحسِنُ سِواك. فقالتْ: إن لي أختاً هي أحسنُ مِنّي وها هي خَلفي، فالتفتَ الرجلُ فقالت: يا
كَذَّاب تَدَّعِي هوانَا وفيك فضلٌ لِسِوانا.
وهذه قصة أطرف من سابقتها ما قرأتها إلا غلبت على الضحك:
"حدّث يحيى بن أكثم المأمون أن كثيّرا اجتمع مع عزّة فتنكرت له متنقّبة
وقالت:
من أنت؟ قال كثير فقالت: وهل تركت عزّة فيك نصيبا لغيرها؟ فقال: لو أن عزة
كانت أمة لي لجعلتها لك، فكشفت البرقع وقالت: أهذا أيضا كذب الوشاة؟ فاستحيا، فقال
المأمون: لقد استحييت له وأنا على سريري."
مع أنها لا تخلو من نظر، فكيف لكثير أن يخفى عليه صوت عزة؟ وكيف له أن
يقول الذي قال وهو لم ينظر حتى إلى وجه محدثته؟ ولكن قياسا يقال: إن أعذب الطرائف
أكذبها، وإن ثبتت فهي العجب بعينه.
هل الغيرة دليل الحب
الغيرة هي الحب، الغيرة هي العشق، كثيرا ما نسمع هذه الكلمة فهل الغيرة دليل الحب؟
ما جاء في غيرة الرجال على النساء
الآتي من رسالة استيفن لحبيبته ماجدولين، حين رآها بلباس يكشف عن زينتها
التي لا يستحق أي كان غير الحبيب الاطلاع عليها، وهذا من غيرته وإبائه وصدق حبه؛
فالرجل إذا أحب تملك، واعتبر المرأة أحد حرمه التي لا حق لأحد فيها سواه، هي حد من
حدوده...
"واعلمي أن المرأة لا تخلص للرجل الذي تحبه الإخلاص كله حتى تؤثره بجميع
مزاياها وصفاتها، فلا تحفل برأي أحد غير رأيه، ولا تنزلُ مَنزلةَ الرّضا في قلبٍ غير
قلبِه، ولا تأذنُ لكائنٍ مَن كان أن يقولَ لها في وَجْهِها، أو بينهُ وبين نفسه، أو في رؤاه
وأحلامِه، إنّها جميلةٌ وفاتنة، أو ما أظرفها وأبدعها حتى توافيه يوم توافيه، طاهرة
نقية كاللؤلؤة المكنونة التي يلتقطها ملتقطها من صدفتها."
ماجدولين، المنفلوطي
هذا ما قاله المنفلوطي في روايته الرائعة ماجدولين (تحت ظلال الزيزفون)
ماذا يمكن أن يقال عن بنات العصر؟ أمنهن من تفي هذا الوفاء، وتخلص هذا الإخلاص لمن
تقول له إنه حبيبها في كل فرصة سانحة، في كل حديث عاطفي يثير كوامن النفس،
ثم تراها تتلون كالحرباء لتجتذب إليها أنظار المفتونين بجمالها ودَلِّها في مشيتها
وتثنيها، وتراها تحادث غيره الساعات الطوال، فإذا حادثته قالت إنك الحبيب القريب؟!
وأين الشبان اليوم من غيرة ذلك الشاب الغيور الذي قال ما قال غيرة وحمية وأعرب
بكلمات صدق عن صدق الحب وحقيقته؟ أين الشباب اليوم الذين يباهون بجمال زوجاتهم
أمام الأقارب والأباعد ولا يرون ضيرا أن يطلع غيرهم على زينة هي في الأصل لهم دون
غيرهم، والأصح أن يستأثروا بها ويبخلوا بها كأشد ما يكون البخيل حرصا على دراهمه،
أين هم من غيرة هذا الشاب الذي تلظى غيرة لأن بعضا من مفاتن حبيبته بدت؟؟!
ما جاء في غيرة المرأة على الرجل
يروى في غيرة المرأة على الرجل أنه "كان لرجل ابنة ولها ابن
عم مشغوف بها، وهو يرجو أن يتزوج بها. فَجَاءَهُ رجلٌ فأرغَبَهُ في الصَّدَاقِ فقالتِ الجاريةُ لأمّها. ما أحسب أبي يربي ابن أخيه صغيرا ويقطعه كبيرا. فقالت: كان ذلك قدرا
مقدورا. فقالت الجارية: أنا حبلى من ابن عمّي فقالت أمها:
ما
تقولين؟ ويحك، فقالت: أتكذب الحرة على نفسها. فأخبرت أباها فزوجها من ابن عمها
فلما وقع العقد قالت الجارية: برئت من الإسلام إن رأى وجهي إلى سنة ليعلم أني
متقولة فيما ادعيت."
وهذا
لا تفعله إلا عاقلة صادقة الحب. أما المدعيات فإنهن يطاوعن آباءهن، ويرغبن في غير
من ادعين الشغف به.
راجع كتاب محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني.

تعليقات
إرسال تعليق