بين يدي المقال
بعد القراءة المتعمقة في كثير من فصول هذه الحوليات، يتضح وكأنها
خلاصة أفكار نجيب محفوظ، وقد كتبت هذه المقالات في التسعينات.
الكاتب في الرواية في الغالب لا يعالج القضايا بفكرته هو، ولكن بفكْر بطل وشخصيات الرواية، والأحداث
الدائرة فيها، وبالتالي فيصعب على القارئ حتى لو حدد الكاتب موقفه في القضية أو
القضايا المعروضة في الرواية أن يميز موقفه، أي موقف الكاتب/ أو أن يصل إلى قناعة
أن ذلك هو مقتضى ما يريده، أو ما يريد إيصاله، هذا إن فطن القارئ وانتبه، وذلك
لتعدد القضايا والمسائل وحياد الكاتب الجدير.
أما في المقالات المركزة خاصة، كهذه التي لا تتجاوز الصفحتين والثلاث، ففيها
مواقفه ظاهرة من كل قضية، وحسبه التسميات التي جُمعت تحتها...
وفي هذا المقال تم اقتباس بعض أقوال وآراء نجيب محفوظ والتعليق عليها. في محاولة استقراء الفكر الذي استقر عليه نجيب في أخريات حياته، والأعمال بالخواتيم.
ملاحظة: كل الاقتباسات الواردة في هذا المقال فهي من أحد كتب نجيب محفوظ، وهو: حول العرب والعروبة، إعداد وتقديم: فتحي العشري.
نجيب محفوظ والافتتان بالعالَم الجديد
لا أدري أكان فكر نجيب محفوظ كذلك قبل أن يحصل على الجائزة أم أنه
منحاز إلى الغرب، وله يد في تنفيذ مخططاته وهي تهييء عقول المثقفين الطامحين إلى
نيل جائزة نوبل _ولو في حلم_ أن ذلك هو التفكير العقلاني، تفكير المثقفين...؟
أحد وجهين: إما أن نجيب محفوظ لم يطالع من التاريخ ما يجعل له ركيزة يستند إليها،
ولم يطالع من العلوم الشرعية أو يتعمق فيها، وهذا مستبعد من قارئ مثله.
وإما أنه عميل بالوجه الجديد للعمالة: أن يمثل الفكر النّخبوي المثقف العقلاني، ذي
التفكير السليم المشبع وطنية وإنسانية، وإلا كيف له أن يؤيد قرارات مجلس الأمن في حق
العراق وأن يتبنى فوق ذلك "إقامة نظام أمني للمنطقة يتضمن في ما يتضمن
تطهيرها من أسلحة الدمار الشامل" ص 80. وفي هذه النقطة
بالذات تأكد أن رأيي فيه صريح وأن كلا
القولين منطبق عليه. هذا وتجدر الإشارة إلى أن العمالة، ليست هي فقط ما يجازى عليه
الشخص أثناء قيامه بواجب لمن يُعتبر عدوا لأمته وعرقه وبني جلدته وقومه، بل أن
يتمثل فكرهم وأن يَتَغَيّا غاياتهم، وأن يُفتتن بهم، فيُمثل الفكر الذي يريدونه
ويكون اللسان الناطق بحالهم فلا يحتاجون إلى تجنيد أشخاص وهو موجود، هذا وقد يكون
ما يفعله عن حسن نية، هنا نحن نبرئ نجيب محفوظ من العمالة المبيتة، التي يمكن أن
يتقاضى عليها راتبا أو يكافؤ عليها أو يُحفظ له بِها أي شيء، والذي يدفع إلى الذي قيل حسن النية، وأنك تجده مفتونا بالعالم الجديد، فهو يكرر هذه الصفة على العالم الغربي مرة
تلو أخرى، وهنا يجب أن نتساءل عن الفكر الذي يمثله نجيب محفوظ، وهو بطبيعة الحال لا
يمثل فكرا إسلاميا _هذا إن أردنا أن نضع ممثلين للفكر الإسلامي، أمثال الرافعي...
قبل قوله الأخير ذاك (الذي ذكر أعلاه) بصفحات أشاد بالتدبير الحسن والجيد لأمريكا
التي كانت تعلم النية المبيتة لصدام في غزو الكويت ومع ذلك لم تقدم على فعل يمنع
ويردع صدام عن إقدامه، وقال ما نصه: "مهلا لا تلوموا دولة إذا خططت لمستقبلها
بما يتفق مع تصورها لعالم جديد وغد جديد" ص76. أتُراه لو كان حيا بين
ظهرانينا سيغير رأيه؟؟؟
نجيب محفوظ متخليا عن القضية الفلسطينية
تجدر الإشارة إلى أن كل حل للقضية الفلسطينية لا يقضي بإخراج اليهود منها هو حل لاغ، بل ليس حلا، إنما هو هذر ولغو وهراء... فتخيل أُخيّ أن أحدا استحوذ على منزلك ثم حكّمت شخصا، فقضى لك بشطره وللمحتل بشطره الآخر، على أن يكون له الحكم والنهي والأمر فيما يملك وتملك، والأصل أن الكل ملكك ثم يلزم المالك الأصلي بعدم الاعتداء على من احتل منزله، واستباح حَرمه، ويوصيه بحسن الجوار، فضلا عن كرم الضيافة..!! فما مثل هذا إلا مثل من يرى لليهود حقا في تأسيس دولة على أرض فلسطين... ولهذا تمت عنونة هذه الفقرة بالتخلي عن القضية الفلسطينية...
يقول: "علينا
أن نتصدى لحل القضية الفلسطينية بما يحقق السلام الشامل القائم على العدل، كذلك
الجولان وجنوب لبنان، وعلينا أن نحل مشكلات الحدود حلا حاسما ونهائيا. " ص114
هنا يظهر الجانب الودود من شخصية محفوظ، ربما لأنه يتحدث عن الكيان
المحتل لأرض فلسطين، ما الذي يقصده بالسلام الشامل القائم على العدل؟ لا شك أنه لا
يقصد أن يتم تهجير الصهاينة المحتلين، ودفع تكاليف الترحيل يكون على حساب الحكومة
الفلسطينية !!!
انظر يا رعاك الله إلى هذا الفكر المتناقض
حين يقول "ونحن لا نحب الحروب إلا أن تكون دفاعا عن النفس، ولا ندعو للثورات
إلا أن تكون تطلعا للتحرير والحرية والكرامة" هذا جاء في معرض كلامه عن حرب
العالم الجديد الذي تكتل ليحارب صدام حسين. للتوضيح: لا أبارك أفعال صدام في
الكويت، ولكني أثير انتباه المفتونين بنجيب محفوظ إلى فكره الفوضوي، الموالي للغرب
فقط، وفقط لأنه الغرب، لا لكونه على صواب... وإلا فلم هذا الخطاب السافل الوضيع
الذي يدعو إلى قبول السلام مع المحتل الصهيوني الغاصب لأرض العروبة والإسلام...؟؟
أليس يفهم من هذا أغبى من على البسيطة، أنه يرى لليهود أحقية في
أرض فلسطين، وأن ما فعله صدام حسين في الكويت أكبر مما يفعله الصهاينة حينها وقبل وبعد ذلك بعشرات السنين بالفلسطينيين؟؟
يا نجيب إن الذي يعادي العدوان يعاديه كلا، وإن الذي يرى بحرمة
الظلم يتساوى عنده في ذلك الأخ وابن العم، فلا يقبل عدوانا ولا ظلما من أحد مهما
مَتّ له بصلة القرابة، هذا وكان الأولى أن تسل قلمك على الصهاينة فتحرض عليهم، لا أن
تكون كما قال عنترة:
أُسُدٌ عليَّ وفي العدوِّ أذلةٌ
هذا لَعَمرُك فِعْلُ
مَوْلى الأَشْأَمِ
السياسة ليست للأدباء
كنت أريد أن أضع عنوانا فرعيا غير هذا، وهو: نجيب محفوظ والتغابي
السياسي، أو الاستغباء، لأنه يسهم في تضليل فئة كبيرة ممن تؤثر فيهم كلماته، إذ هو
الأديب الأريب ذو الصيت الذائع، والباع الطويل في الفهم والفطنة والكياسة...
وإليك بعضا مما يستغفل به أصحاب العقول:
"واذا انحرفت دولة عن الأصول فمن حق هيئة الأمم أن ترسل بعثات لتقصي الحقائق، فإذا ثبت لها الانحراف فلا بد من اتخاذ الإجراءات المناسبة كالمقاطعة الاقتصادية
وغيرها من الوسائل الرادعة، وما ذاك في النهاية إلا دفاعا عن حرية الإنسان وكرامته."
ص132
عجيب أمرك يا نجيب، تظن أن المقاطعة الاقتصادية تؤثر على الحكام ألست تريد إنقاذ
العامة؟ وهل المقاطعة تضر غير العامة؟ هل سيتضرر الحاكم من ارتفاع سعر الدقيق
والسكر والزيت... وغير ذلك من الأشياء التي تشملها المقاطعة؟ قد أوغلت في الخيال
حتى حدت عن الصواب.
ثم دقق النظر في هذه المغالطة اللطيفة الناعمة، التي لا يستشعرها ذو فكر عاطفي محض: "برغم أن نسبة الأمية بها تعد من أكبر النسب عالميا فهي في مقدمة مناطق العالم إنفاقا على التسلح واقتناء أجهزة الهلاك". ص 165. إننا لا نملك إلا أن نؤيد قوله جملة، بيد أنا نختلف معه في الطرح. فلو أن ذا عقل تبصر إلى حال العراق الذي ظل نجيب محفوظ يكيل له أقذع السباب، لرأى أن نسبة المتعلمين في تزايد مستمر في تلك الفترة التي كان ينفق فيها على التسلح كثيرا...
إن الدولة العظيمة تقوم على الرجال المحافظين عليها، هذا ويُقصد بالدولة هنا النظم الحاكمة، وما بيدهم من العتاد والعدة كفيل بضمان دوام حكمهم واستمراره...
وهنا نقول عجبا لك يا نجيب وعجبا منك! لا تنكر على الكيان المحتل احتلاله للأرض وإخراج أهلها
منها وتطلب وتقترح في صَغار وضَعة أن يتم إيجاد حل لبدء مفاوضات السلام في أقرب فرصة
إرضاء للمُبعَدين والعرب... وأي حل يُرضي المُخرَج من وطنه إلا ن يُخرِج مَن أخرجه.
إن ما جرأ الكيان المحتل هو الضعف والخور وقلة الرأي الذي وجه به أمثالك من قبل إلى
عدم التسلح وحيازة أسباب القوة. ... لا عروبة ولا إسلام.. أين أنت من العربي الذي
نصح ابنه: "يا بني من رغب في السلم استعد للحرب". وأين أنت من قول الله
عز وجل: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، ولكن من يهن يسهل الهوان عليه،
تجيد التباكي ولعن صدام حسين لأنه غزا الكويت، وإن يكن في كلامك بعض الحق، فهو حق أريد
به باطل. لم لا تستنفر أممك المتحدة لطرد الصهاينة من فلسطين كما أيدت فعلها لمحاربة
صدام...؟؟؟
ومما لا نملك إلا أن يوافق عليه، ما وصف به حال الأمة العربية حينها، مع أنك إن لاحظت،
لوجدت خطابه قوميا، يستنهض القومية العربية، وإن القومية العربية، لم تحقق في
زمنها إلا الحروب والتناحر فيما بينها، على أنها كانت تمتاز بأخلاق كريمة، ابتعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لإتمامها، كما ورد في الحديث... فلو أن قومية عربية
بعثت لنعيش جاهلية في القرن الواحد والعشرين، علّ إسلاما يعقبها، أعني تمسكا
بأحكام الدين الحنيف.
لماذا قد نحن إلى القومية؟
لأن العربي لا يسلم أخاه، وكلكم يحفظ، ما ابتدأ به أبو تمام
حماسته:
لو كنتُ من مازنٍ لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا
إلى أن يقول:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
بهذا كان العرب عربا، كانوا أباة، لذا قلت يا نجيب مع دعوتك
القومية إلا أنك خلو من العروبة، وإلا لتمثلت: "انصر أخاك ظالما أو
مظلوما"
ولا تمتثل لأحكام الإسلام وإلا لامتثلت قوله تعالى: "لا يتخذ
المومنون الكافرين أولياء من دون المومنين".
ونتفق معك في أن "الحقيقة أن أعدادا وفيرة من العرب تعيش تحت وطأة الجهل والخرافة
والقهر، تحيا وتموت بلا أدنى مشاركة في تقرير مصيرها، ولا تحظى بذرةٍ من حقوق الإنسان،
كرامتها بلا وزن، وحياتها نفسها بلا قيمة.
ألا فلينظر العربي إلى
صورته بصدق وموضوعية، وليعقد العزم على الإطاحة بكل ما يعرقل مسيرته نحو الحياة
السامية" ص 134. هذا مع وجوب الإشارة إلى أن المقصود بالكرامة والحياة عنده ههنا، الحياة المادية والمشاركة في عمران الأرض بما يصلحها، فحقا إن العرب، في جملتهم لا يسهمون كما فعلوا من قبل في تقدم البشرية، وهذا ما يبرر افتتانه بالعالم الجديد وميله إليه.
ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي يعرقل مسيرة العربي نحو الحياة السامية؟!
إن سؤالا كهذا في فكر شخص بمستوى نجيب محفوظ، يتطلب بحثا كاملا لاستقراء كتبه رواياته ومقالاته من أجل الإجابة عليه. وفي المقابل يتطلب فرضيتين اثنتين لا غير:
أن المعرقل هو الحاكم المستبد الذي يخشى استنارة العقول تزيحه عن عرشه.
أو الدين _ونحسن الظن به_ بفهم الذين لم يستوعبوه، فلم يعرفوا كيف يستفيدوا من نهضة الأمم الأخرى.
وبإساءة الظن، أو تأكيد الشكوك، فهو الإسلام الذي لا يتوافق بحال مع العالم الجديد العلماني الرأسمالي الشيوعي...
اجتهادات حسنة عند نجيب محفوظ
وهذا ما يختتم به هذا المقال، وفيه دلالة على التزام الحياد والموضوعية في الطرح، حتى وإن استشعر القارئ بعض الحرارة في الألفاظ.
"والرأي عندي أن الحياة السياسية حياة ذات
طابع خاص يتأبى على الجمود ولا يلتزم بالدوام ولا يوجد في ساحتها قرار أبدي، ولكن
الدول الرشيدة تنظر دائما إلى بعيد وتركز على الهدف الأكبر وفي سبيل ذلك تحتوي
الخلافات إذا زادت أسبابها أو تغيرت ملابساتها، دائما وأبدا توجد مصلحة عليا يجب أن
تؤثر بالرعاية مهما تكن التضحيات ومهما اقتضت من مرونة وضبط للنفس وتجاوز للإساءة"
ص 137
فالسياسة هي حسن التدبير، وليس فيها حب أو كره، وإنما يأسى على الحب النساء... لذا واحتذاء بالدول الأوربية التي تكتلت في اتحاد، يضمن تحقيق نتائج اقتصادية جيدة، وفي الاتحاد قوة كما يقال.
وقد نجحت الدول الأوربية في الاتحاد والتكتل رغم اختلاف لغاتها، وتعدد دواعي فرقتها وتششتها، فالأولى بالاتحاد الدول العربية التي يربط بينها جميعا، رابط اللغة العربية والدين الإسلامي والتاريخ الشاهد على وحدتها.فَ "هناك بعد اقتصادي لتحقيق التكامل بين البلاد العربية من المحيط إلى الخليج بهدف تحقيق ثورة زراعية وخلق قاعدة صناعية" ص 152.
ومما أعجبني لدى محفوظ دعوته إلى جمع شتات الأمة العربية، وحثها على الاستقلال، ومنه استقلال القضاء لذلك دعا نجيب إلى "إنشاء محكمة عدل عربية ليكون لها الرأي الخاص فيما ينشب من خلاف بين دولتين عربيتين أو أكثر" ص159.
تعليقات
إرسال تعليق