القائمة الرئيسية

الصفحات

ما لا يسع الجهل به في أهمية التاريخ



افتتاحية في التاريخ

هذه أول مقالة في سلسلة التاريخ التي أُزمعَ الشروع فيها، غير أنه لن يُكتفى بالسرد الجاف، الذي لا مذاق له، للأحداث والوقائع الماضية، كما درج على ذلك الكثيرون، بل سيتم انتهاج منهج الاعتبار وأخذ الدروس وإسقاط الماضي على الحاضر، مما يسهم في استساغة المعرفة، وتثقيف النشء، وتحبيب هذا العلم الذي زهد فيه الناس على أهميته وضرورته المجتمعية... والله الموفق إلى كل خير...

 

دراسة التاريخ ليست ترفا معرفيا، ولا من القراءات التي يزجى بها الوقت دفعا للملالة والسآمة، إلا أن يكون فاعل هذا ناشد متعةِ قراءة، وهي حاصلة له على كل حال... 

 

إن للتاريخ أهمية عظمى، وليس من المغالاة في شيء أن يقال إن الدين ندب للتبصر والاعتبار بحال الأمم الماضية، ولينظر الناظر ولينعم النظر قليلا ليتبين له أن القرآن أرّخ وقص أخبار الماضين، "لقد كان في قصصهم" وبهذا فقد حوى قَصصا كثيرا، من ذلك قَصص الأنبياء من لدن آدم انتهاء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين... وحتى لا يحتج أحد بأن القرآن إنما أورد ذلك لتأصيل ديني بحت، فيرد عليه أن في القرآن قصص غير قصص الأنبياء، من الأمم الماضية، كقصة أصحاب الكهف وصاحب الجنتين ...

 

والتاريخ في أقصر تعريف يمكن أن تعثر عليه هو قص خبر، ولكن الغاية ليست في القصة، أو طريقة سردها، إنما فيما يحدث للسامع من اتعاظ واعتبار وزيادة خبرة، وحصول نفع، وتجنب تكرار أخطاءٍ سُبقَ إليها..

لقد تعددت التعريفات في حصر هذا المفهوم، ولكن من بين التعريفات التي رسخت في الذهن أنه دراسة الماضي البشري استنادا إلى الوثائق التي خلفها الماضون. ولا أرى حاجة لمزيد سوقِ تعاريف أخرى، سوى الاسترسال وسنحيل على كتب لمن أراد الاستزادة ...

موقف الشرع منه

"قد خلت من قبلكم سُنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" سورة آل عمران الآية 137.

هذه دعوة صريحة لا تورية فيها للنظر والتبصر في حال من مضى من الأمم من قبلنا.

والنظر المراد في الآية ليس المشاهدة والمعاينة، على حقيقة النظر، إذ أن هذا مستحيل، فكيف يمكننا النظر في عواقب ومآلات أمم خالية؟ وما ينفع السير أيضا؟

وإن فهم القرآن يحتاج إلى فهم اللغة التي بها أُنزل، وهذا لا يتأتى إلا بالعكوف على دراستها والعناية بها، وسيتم تخصيص مقالات في هذا الشأن تتم الإحالة عليها بعد رفعها إن شاء الله.

 

لذا فهذه دعوة إلى التنقيب عن مآلهم، للاتعاظ به، وحتى تُتَجنب الأخطاءُ التي واقعوها، فيُتلافى مصيرُهم، وهنا تتجلى القاعدة المعروفة وهي: السبب والنتيجة...

بِتجنب المرءِ ما أضرَّ غيره، يتجنبُ الضرر، وبإتيانه ما نَفَعَ غيره يحصل له النفع، وإن كانت قاعدة غير مضطردة، إلا أنه يمكن إطلاقها بتعميم لما فيها من صواب...

"فاعتبروا يا أولي الأبصار" سورة الحشر الآية 2.

إن المقصد، وهذا أصح من قول: إن من المقاصد، من دراسة التاريخ هو الاعتبار وأخذ العظة، وكفى بهذا مقصدا.

ومن بين المقاصد كذلك:

فهم القوة البشرية و الظروف المؤثرة، ذلك أن المتأمل في سيرورة التاريخ والحال التي تنمو بها وفيها الأمم وتزدهر الحضارات ثم تنهار وتصير إلى الانحطاط والانهيار أو الزوال تماما، سيعلم ما أعلاهم وما حطهم، فيعرف ما عليه أن يأتي بغية الرفعة، وما عليه أن يتجنب خشية الركود، وبهذا فهو يتعلم من التاريخ ويفهم العلاقات بين الأسباب والنتائج،وبناء على كل ذلك يستشرف المستقبل مع كل تلك الخبرات التي حصلت له من تجارب الآخرين، وكفى بهذا مغنما.

نماذدج من مقاصد قراءة التاريخ

قال الشافعي: دأبت على قراءة التاريخ كذا وكذا سنة، لم أفعل ذلك إلا لأستعين به على الفقه. وفسر قول الشافعي صاحب الاستقصا بأن الفقه مبني في كثير من أحكامه على العُرف، والعرف يتغير بتغير الزمن، وفتاوى العلماء تتغير وفقا له... 

وقال المسعودي (ت346هـ): علم التاريخ علم يستمتع به العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل، فكل غريبة منه تعرف، وكل أعجوبة منه تستظرف، يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والبادي والحاضر، والموجود والغابر...

وقال لسان الدين ابن الخطيب الأندلسي ذي الوزارتين، في نظمه الموسوم رقم الحلل في نظم الدول؛

وبعدُ فالتـاريـخ والأخبـــارُ                     فيه لنفس العاقل اعتبارُ
وفيه للمستبصـر استبصــارُ                   كيف أتى القوم كيف صاروا
يجري على الحاضر حكم الغائبِ             فيثبت الحق بسهم صائبِ

وينظـر الدنيــا بعيـن العقـــلِ                  ويترك الجهل لأهل الجهلِ

مستفاد من د. سعيد الكملي بتصرف

 

تعليقات

عناصر المقال