يشهد العالم ارتفاعا مستمرا
في أسعار السلع الغذائية الرئيسية، وهو ما أثر على مستوى معيشة المواطن في العالم
العربي. والجميع يتساءل عن هذا الارتفاع المهول الذي تجاوز ما قد حدث أثناء الأزمة
العالمية 2008، وهذا ما دفع للغوص والتعمق في البحث عن الأسباب وراء هذا.. فمن الطبيعي أن تتزأيد
أسعار بعض السلع نتيجة للسبب المتعارف عليه وهو زيادة الطلب، في مقابل
العرض المحدود. أما غير الطبيعي، وهو المعيش الآن، فهو أن يشهد العالم ارتفاعا
بنسب كبيرة وفي معظم السلع... فما هي الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الأسعار؟
لو
قال قائل: إن كل هذا مترتب عن كوفيد-19 لم يجانب الصواب، ولم يملك المرء إلا أن
يسلم بصحة ما يقول، قد يرد عليه: أليس قد انفرج الحظر وعادت المياه إلى مجاريها؟
أويعقل أن تلبث توابع هذا ال كوفيد_19 سنواتٍ بعده؟ أما زالت لعنة الكورونا حالة
بالبشرية؟
أبى
هذا الفيروس الذي أودى بحياة كثير من البشر، إلا أن يعبث بالأحياء الذين لم يتمكن
منهم، فما ترك وسيلة إلا وضيق عليهم بها. فبعد التوحد والتباعد، والتعقيم والتكميم،
وقطع العلاقات، ووقف السفر، وحظر التجوال، كل هذا والناس متقبلين مرغمين، قصد إلى
سبل معيشتهم فأوبأها... ما أنت أيها الكورونا؟؟
أزمة
كالتي تسببت فيها الكورونا لن تنقضي باختفاء الوباء، فكيف وهو ما يزال موجودا،
يتعايش معه البشر؟
ومع
أن الكورونا هي السبب الرئيس، إلا أن مخلفاتها وجب استقراؤها، وإنعام النظر فيها،
حتى نستطيع الوصول إلى خلاصة منطقية، نستنتج من خلالها حلولا للحاضر، ونستعد إن
مثيلتها في غدٍ حلّت...
أولا
علينا أن نميز بين نوعين من الأسباب:
أسباب تتعلق بالعرض.
من بين الأسباب التي أسهمت
والكل مجمع عليها هي الأزمة التي خلقها كوفيد-19
وهي التي أسفرت عن البون
الشاسع بين العرض والطلب، زد على هذا انخفاض الإنتاج العالمي من الحبوب والمحاصيل
الزراعية بسبب الظروف الطبيعية غير الملائمة مثل الجفاف الذي نشهده، وما أعقب ذلك
من مضاعفة بعض الدول الرسوم الجمركية على
صادراتها.
أسباب تتعلق بالطلب
ارتفعت مستويات المعيشة في
البلدان الناشئة وتزايدت الطبقة المتوسطة ذات المقدرة الشرائية العالية، وهو ما
جعل الطلب يفوق العرض بكثير. ولا يخفى ارتفاع أسعار النفط، وليس من داع لتبرير ما
يؤثر به هذا العامل، إذ ترتفع تكلفة الإنتاج وتكلفة النقل والتوصيل
ويعزو بعضهم ارتفاع الأسعار إلى جشع التجار واستغلالهم للوضع الاقتصادي الذي يسمح
لهم بالزيادة، وهو سبب مستبعد، إذ لا يمكن أن يتواطأ التجار على الزيادة كلهم، ولا
يمكن أن تسمح الحكومات بذلك، فكيف بالعالم كله؟
هذا إجمالا، أما على
المستوى العربي فيرجع ارتفاع الاسعار في المواد الغذائية الى تلك الأسباب مجتمعة ; كون
العالم العربي يعتمد اعتمادا شبه كلي على استيراد هذه السلع التي تشهد هذه الزيادة
زد على هذا بعض العوامل
الداخلية منها على سبيل المثال
انخفاض الكميات المنتجة من المحاصيل الغذائية
نتيجة الظروف الطبيعية غير الملائمة.
السماح بتصدير السلع رغم
حصول العجز وعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي منها، وهو ما يستوجب إعادة النظر، فتحقيق
الاكتفاء أولى.
قبل أن أنهي المقال لا بد
من الإشارة إلى أن العالم يعاني قبل الكورونا، وهذا مقتطف من منظمة الأغذية
والزراعة للأمم المتحدة الدورة الثانية والأربعون ماي 2021:
"مع أنه يتم إنتاج ما
يكفي من الغذاء لإطعام العالم، إلا أن هناك 690 مليون شخص يعانون من الجوع حتى قبل
جائحة كوفيد-19 ويعاني ملايين آخرون من نقص في المغذيات الدقيقة.
أضاف الوباء ما يصل إلى 132
مليون شخص إلى صفوف الذين يعانون من نقص التغذية، مما يسلط الضوء على ضعف النظم
الغذائية في العالم. وفي الوقت ذاته يفقد 14 في المائة من الغذاء المنتج ويهدر منه
17 في المائة. " تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد الكبير الذي يقارب ثمن البشر،
في معاناة حتى قبل جائحة كورونا، فكيف هي الحال بعدها؟
فلو أنه سهمٌ إذاً لاتّقيتُهُ ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ.
وقد صدقت نبوءة منظمة
الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في تقريرها المشترك مع منظمة التعاون والتنمية
الاقتصادية الذي نشر في مايو 2008، والذي أشار إلى أن أسعار السلع الغذائية سوف
تزداد خلال الفترة 2008_2017 عما كانت عليه خلال فترة التسعينات، متوقعا أن تزداد
الأسعار بنحو20% للحوم و40_60%
للقمح والذرة والحليب، وأكثر من 60% للبذور
الزيتية، وأكثر من 80% للزيوت النباتية. وجدير بالذكر أن التقرير اعتمد على
على عدد من الفرضيات في الوصول إلى الأرقام سابقة الذكر والتي من أهمها تباطؤ
وثبات النمو الاقتصادي والنمو السكاني العالمي، وثبات معدلات التضخم في معظم دول
العالم، وكذا استمرار ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا تدريجيا... ( ورقة عمل مشتركة
مقدمة من: المنظمة العربية للتنمية الزراعية. المركز العربي لدراسات المناطق الجافة
والأراضي القاحلة...المجلس الاقتصادي والاجتماعي، جامعة الدول العربية، الدورة 83).
عالجنا
الموضوع دون ذكر لما قد يترتب، وهو مترتب لا محالة، عن الحرب العائلية بين روسيا
وأوكرانيا... وسنفرد الموضوع بالحديث في
مقال مخصص.
تعليقات
إرسال تعليق