علامات الحب
الحب روح الحياة، وما الحياة دونه؟ الجميع يسعى له، وقليل من يحظى به صافيا
رائقا، يجعل شقاءه نعيما، ويسلي حزنه، وينير ظلمته. ولهذا الحب علامات دالة عليه، وقد
أحسن ابن حزم الأندلسي رحمه الله الإفاضة في ذلك في كتابه الماتع كتاب طوق الحمامة في
الألفة والألاف.
ولعل الكثير لم يتح له الاختلاء بالكتاب ولا الحصول عليه، لما تنوقل عنه من
أحاديث، ولما يرى فيه البعض من الآراء.
فالبعض لا يدري ما كتاب طوق الحمامة، وإن رأى اسم مؤلفها ازداد استنكارا لموضوع
الكتاب فظنه بحثا في الأصول أو الأنساب أو الفقه أو ما قد يخطر له من علوم الشريعة
التي اشتهر بها ابن حزم الأندلسي إمام أهل الظاهر في المغرب.
والبعض يرى أن هذا الكتاب لا ينبغي أن يقرأه إلا من قد تزوج وأعف نفسه، وتحصن،
خشية التهتك، وسدا لذريعة إيقاظ الشهوة النائمة...
ومع ذا نقول، إن موضوعا مثل الحب، لم يعد ما يدعو لتبرير إخفاء التحدث عنه،
بعد كل هذا الكم الهائل من المسلسلات والأفلام السينمائية والكرتونية، وكل هذه
المكتوبات الروائية والتطبيقات الداعية إلى التعارف وإنشاء العلاقات في العوالم
الإفتراضية، فلا أقل من أن يتعرف الناس عن الحب كأحد الظواهر التاريخية في الأندلس
إبان حكم المسلمين، وكيف كان ينظر فقيه أصولي "عالم بالشريعة قانت" كما
وصف نفسه على لسان عذاله ولوامه في إحدى القصائد المتضمنة في الكتاب..
وعليه، فنحن هنا لسنا مع إفشاء الفاحشة ولا نقبل ولا نحب من يسعى في ذلك
امتثالا لقوله تعالى: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب
أليم في الدنيا والآخرة..."، وما نكتب عن الحب إلا تظرفا، وتعريفا للعداة
والطاعنين في الدين، أن الإسلام ليس عدوا للحب، وليس داعيا للانطواء والانزواء،
وفي الحديث "لم يُر للمتحابين مثل التزوج"، فالمقتضى أن يكون هناك ما
يستدعي هذا الحب.
ومع أن ابن حزم قد عالج هذه الظاهرة "الحب" من حيث مكانته، وموقعه
العالي، حيث أنه كان من سراة القوم، فقد كان أبوه وزيرا وولي هو أيضا الوزارة مدة،
إلا أن هذا لا يمنع أن نجد عنده ما نسقطه على أحوال العامة في عصره وفي كل عصر،
وفي مصره وفي كل مصر.
من علامات الحب: -علامات قبل استعار نار الحب وتأجج لظاه.
إدمان النظر؛
ذلك أن المحب لا يقوى على إزالة نظره عن محبوبه، وهل يتراءى له الحسن في غير صورته، وهو الذي إن أطبق جفنيه على عينيه لم ير إلا تلك الصورة مطبوعة وكأنها معلقة في الجفن، ولكنها ساكنة في الفؤاد لا تبغي به بدلا، ولا يبغي بها بدلا ولا عنها حِولا...
الإقبال بالحديث؛
وما قيل عن إدمان النظر وهو حاسة من الحواس، ينطبق على باقي
الحواس، فلا أحسن عند المحب من حديث حبيبه، ولا أحبَّ عنده من صوته يدخل أذنيه،
وكل صوتٍ منكرٌ عنده عدا صوتِه.
الإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه؛
وإنك لتلاحظ المحب تشي به عيونه،
ولا تسلم جارحة من جوارحه في اتهامه بالحب، فرجلاه أيضا تشيان به، فإن الناظر إلى
المحب وهو يقصد محبوبَه، يجده يستبطئ السيارة وهي مسرعة، ويستثقل السير وهو يعدو
فيه حتى يخرج عن حد الاعتدال والوقار.
الجود؛
وكم رأينا من بخيل جاد، وشحيح نثر ماله ذات اليمين وذات الشمال في سبيل
المحبوب، وفي سبيل أن يرى محبوبه منه أفعالا حميدة تقربه عنده زلفى.
الحيرة والروعة والدهشة عند ذكر المحبوب؛
وإن المحب ليكون في شغله الشاغل، حتى
إذا عنّ ذكر حبيبه بهت وارتاع وتملكته الحيرة والدهشة، وجمد لسانه في فمه فلم يقو
على الحديث، وارتبك فلم تطاوعه جوارحه على الحراك وكفى بذا غما.
من علامات الحب: -علامات بعد تمكن الحب منه
ومنه الانبساط الكثير الزائد في المكان الضيق، والانقباض في المكان المتسع؛
وهذا مما يحدث كثيرا وهو لا شك حاصل لكثير منكم فبعد التأكد من صدق الحب لا أحب
للحبيبين من الخلوة ببعضهما وإن في مكان ضيق، ولا أثقل عليهما من العيون المترقبه
لهما، فالمكان الواسع يضيق عليهما بوسعه إذ يمنعهما الحرية التي يريدان.
المجاذبة على الشيء، وهذا مما رأيناه وشاهدناه؛ إذ تجد المحب وحبيبه يتجاذبان
الشيء، وذاك مما يستظرف استذكاره ويصعب التعبير عنه، ولو كان قلما أو كوب قهوة،
فيترك في نفس الرائي أثرا إن هو فهم المغزى...
وهذا ليس أول مقال عن الحب، ولن يكون الأخير بإذن الله تعالى. فالحديث عن الحب
ممتع، وله سحر على كل النفوس حتى السوية... وستكون لنا وقفات في قادم الأيام...
فاستمسكوا بأحبتكم واقدروا الحب قدره.
تعليقات
إرسال تعليق