القائمة الرئيسية

الصفحات

تجميعات 1 فخر المتنبي وشجاعته واعتداده بنفسه

 

  


فخر المتنبي وشجاعته واعتداده بنفسه

 

المتنبي شيخ شعراء العربية، لقب يستحقه عن جدارة، والمتنبي قد أبدع في كل صنوف الشعر؛ مدحا وهجاء وفخرا ونسيبا وإن لم يكن الأخير غرضا أساسا عنده، ولعله أول شاعر جمع شعره في عصره ودُون وشُرح، فابن جني قد عاصره وكان حذقا بمرامي المتنبي وأغراضه في شعره... وإنك لا تكاد تجد أحدا يحفظ أبياتا من الشعر إلا كان للمتنبي الحظ الأوفر منها، فقد ذاع صيته عند الخاصة والعامة، وخنع له عظماء الشعراء، وليس عجيبا إذن أن تجد كل هذا الاهتمام بشاعر مات قبل ألف سنة، وما زال شعره حاضرا وبقوة.
وفي هذه السلسة إن شاء الله تعالى سيتم العمل على جمع الأبيات الفخرية والغزلية وأبيات المدح والذم وأبيات الحكمة، كل ذلك في سلسلة واحدة ومقالات متعددة، وسيتم تخصيص كل مجموعة أبيات _وليس شرطا أن تكون من نفس القصيدة_ من نفس القافية/الروي تحت عنوان فرعي.
وهذا الغرض منه تيسير الأمر على الباحثين عن أبيات معينة من شعر المتنبي في أي غرض كان.
وسيتم الاعتماد على "ديوان شيخ شعراء العربية أبي الطيب المتنبي" الصادر عن مكتبة مصر. تحقيق:
د. عبد المنعم خفاجي
سعيد جودة السحار
د. عبد العزيز شرف

قافية الهمزة - من شعر المتنبي في الفخر وتمجيد الأنا

يقول مفاخرا بنفسه:
أنا صخرةُ الوادي إذا زوحمَت
وإذا نطقت فإنني الجوزاء


وإذا خفيتُ على الغبي فعاذرٌ
ألّا تراني مُقلةٌ عَمياءُ

وقال في معرض (مدح) كافور، وهو يعدد مزاياه وخصاله من شجاعة وإقدام على قطع المفاوز والقفار، وقوة قلبه الذي هو من الملوك:

ولقد أَفنَت المفاوز خيلي
قبل أن نلتقي وزادي ومائي


فارمِ بي ما أردتَ مني فإني
أسدُ القلبِ آدميُّ الرُّواءِ


وفؤادي من المُلوك وإن كـا
نَ لِساني يُرى من الشعراء


ومن قصيدته التي يهجو بها كافورا، ويذكر خروجه من مصر، ورحلته المضنية، والتي مطلعها:

 
ألَا كل ماشية الخيزلى
فِدى كل ماشية الهيدبى


نقتطع منها أبياتا:


فلما أنخنا ركزنا الرِّمـا
حَ فوق مَكارمنا والعُلا


وبِتْنا نُقبِّل أسيافنا
ونمسحها مِن دماء العِدى


لتعلم مصر ومَن بالعرا         

ق ومَن بالعواصم أني الفتى


وأني وَفَيتُ وأني أَبَيـْ            

ـتُ وأني عَتَوْتُ على مَن عَتا


وما كلُّ من قال قولاً وَفَى        

ولا كلُّ مَن سِيمَ خَسْفاً أَبَى


ولابد للقلب من آلة
ورأي يُصدع صُمَّ الصَّفا

وكما رأيت فيها من التعالي والتعاظم الشيء الكثير.


قافية الباء - من شعر المتنبي في الفخر وتمجيد الأنا

من شعر المتنبي ما هو مستغلق لا يفهمه إلا المتمكن باللغة الكثير الاطلاع، ومنه ما ليس يحتاج إيضاحا ولا شرحا ولا تفسيرا. ولعل كل شعره الذي فخر فيه بنفسه يندرج في هذ الباب. ولعل المتنبي فعل هذا حتى لا يتأول أحد شجاعته وكبرياءه.


ومن تكن الأُسْدُ الضّواري جُدُودَهُ
يكن ليله صُبحا ومَطعَمُه غَصبا

ولستُ أبالي بعد إدراكيَ العُلا
أكان تراثا ما تناولت أم كسبا

ومنه:

وما سكني سوى قتل الأعادي
فهل من زَوْرةٍ تَشفي القلوبا


تظل الطير منها في حديث
تَرُّد به الصَّراصِر والنّعيبا


أَدَمْنا طعنهم والقتل حتى
خلَطْنا في عظامِهِمِ الكُعوبا


كأن خيولنا كانت قديما
تسَقَّى في قحوفِهِمِ الحليبا


فمرّت غيرَ نافرةٍ عليهم
تدوس بنا الجماجم والتريبا


يقدِّمها وقد خُضبت شواها
فتى ترمي الحروبُ به الحروبا


شديد الخُنزوانة لا يبالي
أصاب إذا تنمّر أم أصيبا


أعزمي طال هذا الليلُ فانظر
أَمِنْكَ الصُّبْحُ يَفْرَقُ أنْ يَؤُوبا؟


وما لَيْلٌ بأَطْوَلَ مِن نَهارٍ
يظلُّ بِلَحْظِ حُسَّادي مَشُوبا


وما مَوْتٌ بِأَبْغَضَ مِن حياةٍ
أرى لَهُمُ مَعِي فيها نَصِيبا

والمتنبي والحساد مبحث طويل، عسى يتيسر الكلام فيه.

ومنه:

ولابد من يومٍ أغرَّ مُحَجَّلٍ
يَطُولُ استماعي بَعدَهُ للنوادب


يَهُونُ على مِثلي إذا رام حاجةً
وُقوعُ العَوالي دُونها والقُواضِبِ


كثيرُ حياةِ المرءِ مِثْلُ قليلِها
يزولُ وباقي عَيْشِهِ مِثْلُ ذاهب


إِلَيكِ فإني لستُ مِمَّن إذا اتَّقى
عِضاضَ الأفاعي نام فوق العقارب

أتاني وعيدُ الأدعياء وأنهمْ
أعدوا ليَ السُّودان في كَفْرَ عَاقِب

ولو صدقوا في جَدِّهِمْ لحَذِرتُهم
فهل في وحدي قولهم غيرُ كاذب

إليَّ لعمري قصدُ كل عجيبةٍ
كأني عجيبٌ في عيونِ العجائبِ

بأيّ بلادٍ لم أَجُرَّ ذُؤابتي
وأيُّ مكانٍ لم تطأه ركائبي؟

 ومنه:

كم زَوْرَةٍ لكَ في الأعراب خافيةٍ
أدهى _وقد رقدوا_ من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي

ومنه:

وَجَدْتُ أنفعَ مالٍ كنتُ أَذخَرُهُ
ما في السوابق من جريٍ وتقريبِ
لمّا رأين صُروف الدهر تغدُر بي
وَفَيْنَ لي وَوَفَتْ صُمُّ الأنابيب
فُتْنَ المهالك حتى قال قائلها
ماذا لقينا من الجُرد السراحيب
تهوي بِمُنجَرِدٍ ليست مذاهبه
لِلُبسِ ثوبٍ ومأكولٍ ومشروبِ

يرى النجوم بعينيْ من يحاولها
كأنها سلبٌ في عين مسلوب

ومنه:


ويومٍ كَلَيْلِ العاشقين كَمَنْتُهُ
أراقب فيه الشمسَ أيّان تَغرُبُ

وعينِي إلى أُذْنَيْ أغرَّ كأنه
من الليل باقٍ بين عينيه كوكب

له فضلة عن جسمه في إهابه
تجيء على صدر رحيب وتذهب

شققتُ به الظلماءَ أُدْنِي عِنانه
فيطغى وأُرخيه مرارا فيلعب

وأصرَع أيَّ الوحشِ قَفَّيتُه به
وأنزل عنه مثله حين أركب
وما الخيل الا كالصديق قليلة
وإن كثرت في عين من لا يجرب

إذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنك مغيب
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب
فكل بعيد الهم فيها معذب

ألا ليت شعري هل أقول قصيدة
فلا أشتكي فيها ولا أتعتب؟!

{{ يريد بك الحساد من الله دافع
وسمر العوالي والحديد المدرب
ودون الذي يبغون ما لو تخلصوا
إلى الموت منه عشتَ والطفلُ أشيبُ}} قال المحققون أن المتنبي قال هذين البيتين في كافور وأرى أن هذين البيتين يقولهما عن نفسه لا عن كافور وإن كان الظاهر وما يتبادر إلى ذهن السامع _أولا_ أنه خاطب بهما كافورا الإخشيدي، وهذه براعة التفات بعد أبيات أعلى فيها من شأنه كعادته.

 ومنه:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
ولو أن ما في الوجه منه حراب


لها ظُفُرٌ إن كَلّ ظُفْرٌ أُعِدُّهُ
ونابٌ إذا لم يبق في الفم ناب


يغير مني الدهر ما شاء غيرها
وأبلغ أقصى العمر وهي كَعاب


وإني لنجم تهتدي صحبتي به

إذا حال من دون النجوم سحاب


غني عن الأوطان لا يستخفني
إلى بلد سافرت عنه إياب


وعن ذملان العيس إن سامحت به
وإلا ففي أكوارهن عُقاب


وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجة
وللشمس فوق اليَعْمَلات لُعابُ


وللسر مني موضع لا يناله
نديم ولا يفضي إليه شراب


وللخود مني ساعةٌ ثم بيننا
فلاةٌ إلى غير اللقاء تجاب


وما العشق إلا غِرّةٌ وطَماعةٌ
يُعرِّض قلبٌ نفسَه فيصاب


وغيرُ فؤادي للغواني رميةٌ
وغيرُ بناني للزجاج رِكاب


تركنا لأطراف القنا كل شهوةٍ
فليس لنا إلا بهن لِعاب


تصرفه للطعن فوق حوادرٍ
قد انقصفت فيهن منه كِعاب


أعز مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب

ومنه:

وإن عمرتُ جعلتُ الحربَ والدةً

والسمهريَّ أخاً والمشرفيَّ أبـا

 بكل أشعثَ يلقى الموتَ مبتسما 

حتى كـأن له في قتله أربـا 

قحٍّ يكاد صهيل الخيل يقذفه

 عن سرجه مرحا بالعز أو طربـا

 فالموت أعذرُ لي والصبر أجمل بي 

والبَـرُّ أوســع والدنيـا لمـن غَلَبـا


قافية التاء - من شعر المتنبي في الفخر وتمجيد الأنا


إني على شغفي بما في خُمرها
لأعف عما في سرابيلاتها


وترى المُروَّة والفتوة والأبوَّ
ة فيَّ كلُّ مليحةٍ ضَرَّاتِها


هن الثلاثُ المانعاتي لذتي
في خلوتي لا الخوف من تبعاتها


ومطالبٍ فيها الهلاكُ أتيتها
ثبتَ الجنان كأنني لم آتها


ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتها
أقواتَ وحش كنّ من أقواتها

أَقْبَلْتُها غُرَرَ الجياد كأنما
أيدي بني عمران في جبهاتها

قافية الحاء - من شعر المتنبي في الفخر وتمجيد الأنا

 انا عين المسوَّدِ الجحجاحِ
هيّجتني كلابكمْ بالنباحِ


أيكون الهِجانُ غير هجانٍ
أم يكون الصُّراح غير صُراحِ


جهِلوني وإن عَمَرتُ قليلاً
نَسَبَتني لهم رؤوس الرماحِ

 ومنه:

أباعثَ كلِّ مكرمةٍ طموحِ
وفارس كلِّ سَلْهَبةٍ سبوحِ


وطاعن كلِّ نجلاءٍ غموسٍ
وعاصيَ كلِّ عذال نصيحِ


سقاني اللهُ قبلَ الموتِ يوماً
دم الأعداء مِن جوفِ الجُروحِ


تعليقات

عناصر المقال