القائمة الرئيسية

الصفحات

تعليق على كتاب حياتي لأحمد أمين




تعليق على كتاب حياتي لأحمد أمين

     

نصح أحد الأفاضل بالاطلاع على السيرة الذاتية لأحمد أمين المعنونة: "حياتي". وبحمد الله تيسر الوصول إلى الكتاب إلكترونيا، وقرأته في جلسات، ولم أكن أنوي كتابة انطباع حوله أو تقييد ملاحظات عليه، ولكن استُفززت مرارا، فما وجدت بدا من الدفتر والقلم أنتقي بعضا مما سهل الله الوقوف على ما يؤاخَذ عليه الكاتب أن أقحمه في ثنايا كتابه، وما يدل على هذا أني لم أشرع في التقييد إلا بعد أن انتصف الكتاب أو قارب، والسطور أسفله مما تيسر رقنه على لوحة المفاتيح بعد إضافة تعليقات عليه. وقد ارتأيت أن أضمن نصوصه وأفكاره تلك عناوين ليسهل تناولها.


أحمد أمين وضعف الشخصية.


هل أحمد أمين ضعيف الشخصية أكثر من اللازم؟ يقول عن مدرسة الإنجليزية التي يعلمها العربية وتعلمه الإنجليزية "كنت أحدثها يوما وقد قامت الحرب العالمية الأولى فزلّ لساني ونقدت الإنجليز نقدا خفيفا أمامها فما كان منها إلا أن دمعت عيناها وقالت في رقة: 'أتعيب قومي وأمتي؟' فخجلت خجلا شديدا وقدرت طينتها التي يجرحها النسيم ولم أعد بعد لمثلها" ص 109
استمررت في القراءة راجيا أن يستدرك قوله فالإنجليز يحتلون أرضه ويعيثون فيها فسادا ثم هو يرق لدمعة حسناء منهم..!! إما هو ضعيف الشخصية، أو غير مبال بالسيادة الوطنية والعزة الدينية، والمشكلة أنه درس القضاء وعمل فيه أي أنه ليس ناقص علم شرعي، وها أنت ذا ترى لا ولاء ولا براء...!
من قرأ السيرة الذاتية لأحمد أمين ظن أن العلوم الشرعية علوم سفلية لا تترقى بالمرء ولا ترفعه في عالم الماديات. وأحمد أمين تراه دائما مهينا نفسه، وهناك فرق طبعا بين التواضع والضّعة... وأظن أن هذا الكتاب لو قرأه طبيب نفسي لتبين له أن كاتبه يعاني من اضطرابات نفسية...! ثم يلاحظ أنه يتحول إلى ما يشبه الغرور في آخر صفحات الكتاب إلا بقايا من هذه الشوائب لم تفارقه، ربما بترقيه في المراتب تخلص من كثير مما كان يعانيه في شبابه. يقول "وقد تخرج من مدرسة المعلمين العليا بضعة من الطلبة عرفوا بالتفوق في العلم والخلق، كان أكثرهم مرشحا للبعثة في انجلترا، ثم منعهم قيام الحرب وكان بعضهم من القسم العلمي وبعضهم من القسم الأدبي شاءت الظروف السعيدة أن أتعرف بهم وأن أصادقهم، رأيتهم مثقفين من غير جنس ثقافتي، ثقافتهم عصرية بحتة، وثقافتي شرعية كثيرا وعصرية قليلا، منهم الذي بلغ درجة جيدة في الجغرافيا والتاريخ العام والأدب الإنجليزي ومنهم من بلغ هذه الدرجة في الرياضة وكلهم يعرف من الدنيا الجديدة والمدنية الحديثة أكثر مما أعرف بحكم ثقافتهم وثقافتي." ص 111


أحمد أمين والمشاركة في الدعوة إلى السفور

قال:
"كنا نجلس يوما مع نخبة من هذه الجماعة، _يقصد الجماعة المذكورة أعلاه_ وكان أحدها يصدر جريدة اسمها السفور يدافع فيها عن رأي قاسم أمين ويدعو إليه فدعانا أن نأخذ الجريدة ونساهم معه في إخراجها فقبلنا هذا العرض وتألفت لجنة من الجمعتين؛ جمعيتي الأولى المثقفة ثقافة إنجليزية، وجمعيتي الثانية المثقفة ثقافة فرنسية، وتسلمنا الجريدة فحررناها، فكان ذلك أول عهدي بالصحافة والكتابة وكان ذلك على ما أذكر سنه 1918".  ص122
وهذا يبين أنه مجرد تابع مَقُود، وإلا كيف يتحول المرء من كل ما وصف به طريقة أبيه في التربية إلى كل هذا (الانفتاح)؟!


ثم يأتي إلى موضوع الزواج لينتقد بطريقة فنية الزواج التقليدي الذي كان سائدا حينها وهو أن المقبل على الزواج لا يرى زوجته إلا ليلة زفافه، فيكون له مبررا في الاقتداء بتركيا ووصف تجربتها بالناجحة فيما بعد... ويصف حاله والأزهريين أمثاله أنهم كاسدون في أسواق النساء، فلا يرضين بهم لما فيهم من تزمت يقول: "وكنت أتلمس الزواج في أمثالي من الأوساط ومع ذلك كله وقفت العمامة حجر عثرة في الطريق فكم تقدمت إلى بيوت رضوا عن شبابي ورضوا عن مرتبي ولكن لم يرضوا عن عمامتي..." إلى أن يقول: "والفتاة يسرها الشاب المتمدن اللبق المساير للدنيا اللاهي الضاحك" ص 123
لا أدري كم من الصفحات يتطلب الأمر للرد على أحمد أمين في سيرته الذاتية فهي مليئة بالمغالطات. كيف يعقل لشخص ساع في الإصلاح أن يركب المركب نفسه مع قاسم أمين؛ والأول خريج الأزهر مشتغل بالقضاء وجل علمه شرعي ثم يشرف على جريدة تحمل اسم السفور، هذا و الوطن محتل؟! بم يفيد السفور؟ أينقذ الوطن من الاحتلال؟ أيدفع المستعمر؟ أم تراه يسهم في تغلغله؟ إن الشخص الذي ليس يسعى لتثبيت أركان هويته ودعائم دينه ولا يقدس حرماتهما من دنس الأجنبي... إنه شخص يفسد من حيث يظن نفسه يصلح.


وما يفهم أي قارئ لهذا الكلام إلا أن الأزهريين أو ذوي العمائم أناس متزمتون لا شباب فيهم، وإنما هو ذلك الوقار المتصنع والتجهم والعبوس وغير المسايرة للدنيا واللهو عنها والزهد فيها.
فكما يقول التدين في نظرهم _يقصد العامة_ يوحي بالتزمت وقلة التمدن والالتصاق بالرجعية والحرص على المال.


ثم انظر إلى هذا الموقف الغريب العجيب يقول: "ورضي بي قوم أولا وأحبوا أن يروني فأحببت أن أريهم أني متمدن، وذهبت إليهم أحمل كتابا إنجليزيا وجلست إليهم وجلسوا إلي، وتحدثت عصريا على آخر طراز فحشرت في كلامي بعض كلمات إنجليزية فاستغربوا لذلك، وفهمت أنهم أعجبوا بي ورضوا عني، ولكن بلغني أن الفتاة أطلت من الشباك وأنا خارج فرأت العمامة والجبة والقفطان فرعبت ورفضت رفضا باتا أن تتزوجني رغم إلحاح أهلها" ص 123.

هل أحمد أمين يكتب مذكراته ليطرفنا ويدخل السرور علينا، فهذه طرف لا أدري كيف للمرء أن يبوح بها ويتركها شاهدة عليه ما قرئت كتبه.

لاحظ أن انتقاصه من العمامة والجبة هنا مما يبرر له تركه لهما فيما بعد، بعد أن يغدو محاضرا جامعيا.


"فأنا أزور المكتبة الإنجليزية وأبحث عما كتب في الزواج فأعثر مثلا على سلسلة من الكتب أحدها فيما ينبغي للزوج أن يعلم وثانيها فيما ينبغي للزوجة أن تعلم وهكذا ثم أجد كتابا في الزواج السعيد والثالث في تربية الطفل فأقرؤها وأفكر فيها وأستخلص منها ما يجب أن أعمل لأسعد وعلى أي الأسس أبني أسرتي وهكذا" ص 124
تخيل يا صديقي أن قائل هذا الكلام سيخطر بباله أن يدفع ويدافع المحتل، وهو نفسه مفتون به!


في أحايين كثيرة يخطر ببالي: ما فائدة العوام من الناس، ربما يسهل اقتيادهم والسيطرة عليهم، فلم لا يرقون إلى أن يكونوا الخاصة حتى تنعكس الحال، فيكون عدد من هم في دركات السلم الاجتماعي شذاذ، بينما مرتقو درجاته الأكثرون؟ فيكون الخاطر الطارد للأول أن هؤلاء هم أهل الوطن وحماته وهم قاعدة هذا الهرم، وأعلى الهرم إن تبدل أو طرأ عليه طارئ كان الأساس ثابتا راسخا.


هرب من النبع إلى الساقية، افتتن وهو معذور وغير معذور؛ فالتربية التي ربي بها والواقع الذي يشاهده أمامه من البؤس الذي يعيش فيه بلده والنعيم الذي يحدث عنه لدى الغرب يمثل عذرا صغيرا جدا؛ وغير معذور لأن المحتل في أرضه، وهو يريد أن يأخذ من فكره وثقافته ليبني عليها أسرته ويشكل عليها حياته!


ليس يعاب على ناشد الخير وطالب الكمال أنى وجده أن يعمل به ويقتدي بأهله فيما لا يتعارض مع عقيدته ودينه... لكن يعاب على أزهري ما لا يعاب على غيره، والنقد الموجه للمسلم وهو أديب كاتب يعيش بين ظهراني المسلمين ويتحدث بلغتهم غير النقد الذي يوجه لكاتب عالم بالدين ناشئ في أسرة محافظة متلقٍّ لتعليم ديني من أعرق المؤسسات الدينية. فلئن فتن الأول بالغرب فلقصوره عن الإحاطة بالكمال الذي في ثقافة أجداده، أما الآخر فلا عذر أمامه.


"على أني _والأسف يملأ فؤادي_ لم أنتفع بزمن الصبا والفتوة كما كان يجب فلم يجد المرح والنشاط واللهو _ولو كان بريئا_ ولا الحب إلى قلبي منفذا بل تشايخت منذ الصبا وهذا ولا شك أثر التربية المنزلية، فقد كانت تربية أساسها التخويف والإرهاب" ص 125
بدل أن يحمد الله أن أوقاته كانت عامرة بالمفيد له دنيا ودينا إن أخلص النية، _بدل ذلك يتحسر على فوات المرح والنشاط واللهو... وهذا مما يعجب منه العاقل!

"وإني في هذه السنة أحس شيئا من النشاط على أثر دروسي الانجليزية مع مدرسة إنجليزية كانت تصلح من نفسي كما تصلح من لساني" ص 125

وفي هذا النص ما فيه لمن اطلع على خلفية قوله. فمدرسة الأنجليزية هذه هي نفسها الحسناء التي رق لها بداية وهي متزوجة ومع ذلك لم يمنعه مانع أن يقول أنه كان ينجذب إليها...


بعض مغالطات أحمد أمين


"وكانت تربيي الدينية تعد الحب فجورا والنظر إلى الفتاة وحديثها إغواء شيطانيا، ومدرستي كبيتي متزمتة متعنتة لا ترتاح لأن يجلس طالب في قهوة وتعاقب من وجد في صالة غناء" ص125-126
أسلوب ماكر
إن الفقرة الواحدة تحتاج إلى رد مطول وهذه النبرة اللينة الحزينة التي يسوق بها الكلمات التي تستدر التعاطف تارة، وتهيج المستمع والقارئ أخرى فينفعل ويقف موقف المساند في الأولى والناقم في الثانية؛ أسلوب الماكر. فالتربية الدينية تعد الحب فجورا، وهذا غير صحيح. أحمد أمين قد تلقى علما، ولابد أن يكون قد درس من السيرة النبوية والأحاديث الصحيحة ما يؤكد له أن المشكلة ليست في الدين ولا في التربية، إنما هو غيرة وحمية عربية قديمة تليدة وورع وسد للذرائع... فأي حر يقبل أن يجد أخته أو من تقربه على علاقه بشخص آخر وإن علاقة بريئة؟ إن الأمر المنكر يبقى منكرا ولو تواطأ عليه الناس كلهم. ثم انظر إليه يقول: النظر إلى الفتاة وحديثها إغواء شيطانيا ويستنكر أن يكون هذا هذا !!! هل يريد أن يضرب بآيات عرض الحائط أم أن لكلامه مدلولا غير هذا؟! آية: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} وآية: {ولا تقربوا الزنى}. وأي إغواء أكثر من هذا؟؟
ثم ما هي هذه العلاقة البريئة وكيف تتشكل؟ فالمجتمع محافظ، ولا ضرورة للقاء الجنسين؛ إذ ليس يجمع بينهما تعلم ولا عمل ولا تجارة...
ليت أحمد أمين مُد له في العمر ليرى عواقب دعوى قاسم أمين ومشاركته إياه في سفوره والدعوة إليه...
ثم إن التصور الذي لديه عن الحب هو ما عرفه عن الغرب وظنه الصواب وليس فيه إلا الهلاك في أكثره، فما أكثر الذين كلفوا ببعضهم ثم لم يتم لهم مرادهم، فزوجت الفتاة قسرا أو سلوانا أو تفضيلا... وظل الآخر في أشواقه يتلظى. يظن أن الحب هو ما عاشه قيس بن الملوح مع ليلاه ومن على شاكلته وصار يُتغنى به إلى الآن. ما الذي أفاده من ذلك الحب غير وجد اكتوى بجمره فألهب فؤاده فخرج بهذا الشعر ينفث به نفث المصدور فكان مسلاة لمن بعده...؟!
إن الإسلام وضع نظما وقواعد تسير وفقا لها الحياة البشرية الإنسانية السوية فإن حادت عنها ضلت وزلت.
التزمت والتعنت هو كل مظهر من مظاهر الدين عند أحمد أمين فهي مدرسة لا ترتاح أن يجلس احد طلابها المقهى وتعاقب من وجد في صالة الغناء!
لا أدري كيف أعبر عن لوعتي وأسفي وحسرتي على هذا الرجل!! كل البلاد العربية حينها تحت وطأة المستعمر، منها بلده الذي هو فيه، ومع ذا ينشغل يشكو ويتذمر لأن قومه مستمسكون بعاداتهم ومظاهر دينهم وعروبتهم وثقافتهم وينقم على أن لم يقتفوا أثر المحتل ويقتدوا به وينسلخوا من هويتهم...
ولهذا ربما كان أحمد أمين أحد معاول هدم الهوية المصرية مقدَّما على أنه أحد بناتها !
ثم تأمل في قوله العجيب الذي يعجب منه العجب: "وحدث مرة أن شوهد متخرج حديثا من المدرسة يجلس في مقهى الأزبكية مع صاحبيه من غير المدرسة، وأمامهم كاسات من البيرة، فكان من سوء الحظ أن مر عليهم عاطف بك ورأى هذا المنظر،  ومع أنه لم يتحقق من شرب هذا الشاب البيرة فقد حرمه من تولي القضاء سنين ورفض كل رجاء في العفو عنه ولم يعين بعد إلا بضغط شديد أو رغما عنه" ص 126
أحيانا أشك في نفسي أني لا أفهم الكلام على مراد صاحبه، فأتأمل، ثم أعيد القراءة، وأقلب الكلام على كل وجه يحتمله، فأحسن الظن بالكاتب حتى أسيء الظن بنفسي، ثم أدع النص وأعود له بعد ساعة، فإذا المعنى نفسه...!
هو لا يستنكر كون البيرة تشرب جهارا نهارا في المقهى الذي نقم على المدرسة أنها لا ترتاح لطالب  يرتادها.
إن المسلم في الأصل يبتعد عن الشبهات فكيف بمن هو يريد التصدر للقضاء، ثم ترى أحمد أمين يعيب على عاطف بك (حرمان الشاب) من تولي القضاء.
مما أمقت عليه الأدباء وممتهني الأدب تقنعهم بهيئة الواصف والسارد لواقع الحال دون إظهار مواقفهم الصريحة، فيضمِّنون مواقفهم وآراءهم بطريقة لينة سهلة حتى إذا جاء منتقد ما، شك أن الكاتب يرى ذلك الرأي أو ينزع تلك النزعة. وهؤلاء الحربائيون مهما حاولوا التستر والتقنع إلا أن زلات الأقلام كثيرة، فهم يصيدون أنفسهم بعباراتهم اللينة. وإلا فما المانع لأحمد أمين أن يعلنها صريحة دون توارٍ تاركا النفاق الأدبي جانبا صادحا بما يراه صوابا عدا أن يكون الخوف؟! فها هو ذا يسهم في تحرير جريدة السفور وهو في الوقت ذاته يرتدي العمامة والجبة، ويرسل قريباته يخطبن له ويتزوج زواجا تقليديا... فيا للمفارقات!!

"كل هذا لم يهبني مجالا للحب، بل كبته في نفسي إلى أن تزوجت" ص126 .

ربما يصلح أن تلحق أيضا بالقسم الأول، المتعلق بضعف الشخصية، وهي هنا أدل منها على كونها أعلاه، إذ انظر كيف عبر عن مفهوم الحب هنا...




الإصلاح عند أحمد أمين بين المقومات والمعيقات

سبقت الإشارة أعلاه إلى التلون الذي يعمد إليه الأدباء لتجنب لوم النقاد، والنص الآتي أنموذج لذلك. أورد أحمد أمين في معرض كلامه عن زيارته لتركيا كلاما على لسان "علي بك فوزي"
منه:
إن أكبر مظهر للانقلاب التركي هو السفور، وقد أفاد الأمة التركية من حيث إصلاح الزواج، فكل من الزوجين يرى صاحبه ويأنس به قبل عقد الزواج، ثم إن السفور مكن المرأة من معرفة كثير من شؤون الدنيا وكانت تجهلها. والسفور في صالح المرأة؛ فالحجاب كان يحيط المرأة بهالة تمكن الرجل من الإمعان والتخيلات والجري وراء التصورات، ولذلك كثر الغزل في الأدب العربي وأمعن الغزلون في التخيلات ص160
ومنه أيضا:
لا أمل في إصلاح مصر ما دام هناك لغة للعلم ولغة للكلام فإما أن ترقى لغة الكلام وإما أن تنحط لغة العلم حتى تتحدا، وحينئذ فقط يكون التفكير الصحيح واللغة التي تستمد روحها من الحياة الواقعية. ص 161
وربما نحن في غنى عن إيضاح معنى كل من النصين؛ فالنص الأول دعوة للحاق بتركيا، ونبذ الحجاب. وكأن الحجاب هو العرقلة الوحيدة والعقبة الكأداء التي تمنع كل إصلاح. ثم تمعن في كلمة لا أدري هل يستطيع أن يقابل قائلها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتجمع الأحرف في فيه ويطاوعه لسانه على نطقها؟! ومَن هاته المرأة التي يُصلِحها ويَصلُح لها ما لم يَصلُح ويُصلِح زوجات وبنات أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين؟! والله يأمر النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}
لو لم يكن في كتابه إلا هذه الفقرة لكفى بها بيانا على سوء فهمه للدين وافتتانه بالغرب وقبح ما يدعو إليه يحسبه الجهال إصلاحا.
ولكن لا عجب فهو القائل: "حتى لو نسب الفضل الأكبر في المدنية الحديثة لكان أكثره يرجع إلى المرأة...  وأيضا: حتى لو قلت إن مقياس رقي الأمم التي شاهدتها هو درجة رقي المرأة وانهيار _يريد انهمار والله أعلم_ الأمطار في أوقات مختلفة لم أكن بعيدا عن الصواب. ص182

أما الفقرة الأخيرة المتعلقة باللغة فهو حق أريد به باطل. فأي أمة هذه التي تساوى أهلها فيها علما وثقافة وفكرا؟! وإصلاح أي أمة غير متوقف على لغة تلك الأمة إلا بقدر إرادة المسؤولين إصلاحها. فأما اللغة فعالية ولن تنحط ليتعلق بها السفلة من الناس، وأما أن يرقى ويترقى الناس _كل الناس_ إليها فمطلب بعيد المنال، وليس محالا، إنما هو عزم وإرادة وهمة صادقة وسعي حثيث، وما هو إلا جيل يعلّم جيدا، وينفق عليه ليتعلم، ويُراد له أن يتعلم حتى تصبح الأمة في مصاف الدول المتقدمة، وليس الدول التي ترتق وترقع خروقها بقِطع ليست لها. وكل إصلاح لبلد مسلم غير قائم على الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء الراشدين فليس بإصلاح! وكل خطة مستوردة من الشرق أو الغرب لاستنساخها على أنها الخلاص من التخلف، فهي الهدم والردم مهما تغنى بها المفتونون. راجع الصفحة 199 وانظر إلى الاقتراح البديع الذي اقترحه وهو يتعلق باللغة! فلست مغاليا حيث قلت إنه حق أريد به باطل.
في الحقيقة لم أقرأ كتب أحمد أمين، اللهم إلا ما كان من اطلاع على فيض الخاطر اطلاع العَجِلِ منذ سنوات. لذا فإني لم أكتب ما كتبت إلا بناء على ما قاله بنفسه في ثنايا هذا الكتاب، دون خلفية مسبقة عنه وعن تاريخه، فأرجو ألا أكون مغاليا، وأرجو ألا أكون قد جاوزت حد النقد والتعليق فهو من قال: "نعم يسرني كل السرور أن يقدر الناس كتبي وأفكاري، ولكن إذا نقدوها في أدب عددت ذلك ضربا من ضروب تقديرها والاهتمام بها" ص 227
هذا وقد تركت كثيرا من المغالطات التي أقحمها كتابه، مثل الترحم على الكافر، وإجابته سائلَه هل الإسلام شجع الصوفية أو ناهضها، فكان من رأيه أنه شجعها!!! راجع ص162
ومغالطة قوله أن الخلاف بين السنة والشيعة كالخلاف بين أصحاب المذاهب!! هذا إن سلمنا له قوله الأول في المفاضلة بين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعلي بن أبي طالب رضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم... راجع ص 175

موقف مشرف


أكثرت من الرد وهذا مما راقني كثيرا ...
"ولكن الموقف النبيل يقضي بأن تربية الأولاد ليست تجارة، تعطي لتأخذ وتبيع لتربح، إنما هي واجب يؤديه الآباء لأبنائهم وأمتهم، فإن قدره الأبناء فأدوا واجبهم نحو آبائهم فبها، وإلا فقد فعل الآباء ما عليهم والمكافئ الله." ص 131
إني كنت أعجب من ضياع الأندلس من يد المسلمين وسائر الأقطار لا تحرك ساكنا للإغاثة ولا تمد يدا للمعونة، واليوم بعد قرون طويلة تتجدد المأساة فتضيع فلسطين من يد المسلمين ولا عبرة من الأحداث ولا استفادة من التاريخ، ويغيث المسلمون شكل إغاثة لا حقيقة إغاثة ويعاونون معاونة كان خيرا منها عدمها فيالله للمسلمين. ص230

كلمة موقف مشرف أبلغ من كل تعبير.

خلاصة الكتاب

رص أحمد أمين الكلمات رصا يجعل القارئ يقفز إلى الخلف، خارقا قوانين الطبيعة، عائدا بالمرء إلى الوراء، لينظر من علُ ويعاين أحمد أمين في صباه وشبابه وكهولته، متنقلا بين بيته ومسجده، متوجسا من أبيه، حاضرا الدروس معه في الأزهر، مشفقا عليه حال بكائه عند أول سفر له إلى طنطا... شاهد عيان على دراسته وتدريسه في مدرسة القضاء مترقيا معه في مراتبه الإدارية، مستقلا القطار معه، متجولا معه في الواحات، مؤنسا له في أسفاره إلى أوربا وإلى تركيا وبلاد الشام، متألما معه حال مرضه ... كل ذلك بلغة سلسة وأسلوب مرن، وحسن سوق للأفكار وترتيبها، وسرد متوال لا يجعلك تخرج من القصة... 
بالمناسبة، لم يتم مناقشة الأسلوب وطريقة العرض؛ إذ الكاتب أديب وله باع طويل في ممارسة الكتابة والعكوف على قراءة كتب التراث وبديهي أن يكون كتابه هذا الذي هو سيرة ذاتية بلغة فصيحة راقية تستحوذ على القارئ وتجعله يستمتع بالقراءة.

ختاما كان هذا مجرد تعليق على الكتاب في محاولة لفهم بعض أفكار أحمد أمين والاطلاع على حياة كاتب يُشهد له بالعكوف على القراءة والكتابة ونذْر حياته للعلم.

وذا جهد المقل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.


تعليقات

عناصر المقال