القائمة الرئيسية

الصفحات

جوانب من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم 3

 



جوانب من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم 3

إن الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث لا ينتهي منه بادئه، ويكفي دليلا على هذا أنه منذ أربعة عشر قرنا وما   تزال المؤلفات تؤلف، والكتاب يستلهمون من سيرته العبر والدروس كل من المجال الذي يتخصص فيه والمحل الذي يشغله، فالحاكم يجد شرعية الحكم والسياسة وتسيير الناس مبينة موثقة لا يعمى عليها إلا الغافلون، والعالم والمربي والأب والزوج والصديق والصهر والقائد... كل  يجد في السيرة النبوية الشريفة ما يبني عليه نظرياته وما يعضد اجتهاداته ويقوي دليله ومذهبه، يجد البراهين المؤكدة التي إن انقاد لها أفلح وأنجح، وإن تنكبها ضل وزل.

ولهذا نسعى جاهدين لتبين هذه الأحوال التي نستقرئ فيها العظمة النبوية ومنها الكمال البشري.

وما يزال الحديث في الدور الأبوي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمنهجية المعتمدة التي يتم اتِّباعُها هي إيراد أحاديث نبوية عن كل دور كان النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا فيه، والتعليق عليها بما يفتح الله على الناشد خيرا...

وقد بدئ الحديث عن زينب رضي الله عنها في المقال السابق وقد تم بسط بعض الأحداث الدالة على العظمة النبوية من ذلك رد مالها وإطلاق أسيرها _زوجها أبي العاص لما أسر يوم بدر _ وبعث زيد بن حارثة لاصطحابها واستقدامها من مكة، وتم ذكر الطريقة التي اعتمدت في هجرتها، وكيف دل ذلك على حصافتها وذكائها، والتدبير المحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنفيذ الفذ من زيد بن حارثة رضي الله عنه.

وورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث من ينتقم ممن آذى ابنته زينب رضي الله عنها ثم عدل عن التحريق بالنار إلى القتل، وهذا من شواهد عظمته وعدم سيطرة الغضب عليه إلى الحد الذي يخرج به عن الحق صلى الله عليه وسلم.

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث وقال إن وجدتم فلانا لرجلين من قريش فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما".

ولما كانت زينب في المدينة اعترضت سرية من الصحابة قافلة لقريش كانت لأبي العاص بن الربيع فغنموا القافلة، وفاتهم أبو العاص، فلما جن الليل دخل المدينة ودخل بيت زينب رضي الله عنها، فاستجارها فأجارته، فلما كانت صلاة الغداة والمسلمون في صلاتهم يؤمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطلت زينب ونادت أنها مجيرة لأبي العاص...

ورد في مستدرك الحاكم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أمانا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس، فقالت: أيها الناس، إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: «أيها الناس، إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم»

ففي هذا الموقف ما يدل على الحكمة النبوية والقيادة الرشيدة، من ذلك:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطع صلاته ومشرك مستجير بابنته.

أنه أبان للصحابة أنه لم يحدث له من العلم بالحادثة إلا بما علموه وقت علموه.

أنه أقر حكما شرعيا وأكده، وهو جواز جوار المرأة.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه أن يردوا ما لأبي العاص، قائلا: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم فإن شئتم أن تردوا له ماله فإنا نحب ذلك، وإلا فهو فيء الله وأنتم أحق به...

جاء في السير للذهبي:

"خرج أبو العاص تاجرًا إلى الشام، وكان رجلًا مأمونًا. وكانت معه بضائع لقريش. فأقبل قافلًا فلقيته سرية للنبي -صلى الله عليه وسلم، فاستاقوا عيره وهرب. وقدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما أصابوا فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص حتى دخل على زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب له من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رد ماله عليه. فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السرية فقال لهم: "إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالًا ولغيره مما كان معه، وهو فيء، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا، وإن كرهتم فأنتم وحقكم". قالوا: بل نرده عليه. فردوا والله عليه ما أصابوا، حتى إن الرجل ليأتي بالشنة، والرجل بالإداوة وبالحبل. ثم خرج حتى قدم مكة، فأدَّى إلى الناس بضائعهم، حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم معي مال؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا. فقال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا تخوفت أن تظنوا أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا عبده ورسوله"

 

 

ثم إنك هنا لا تكاد تملك نفسك من الدهشة حيث أن القائد يقول إن شئتم، وهنا أن مال الغنيمة لأصحابها، ولا يحق لأحد أن يأمر فيه بشيء،  والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم حث المسلمين على القتال بمنحهم ما غنموه هم في معركتهم، والله أعلم.

أريد أن أشير إلى هذا الخطاب المتواضع للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي يبادر الصحابة إلى الاستجابة له، حبا لما أحب النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم انظر إلى أثر المعاملة الحسنة من النبي صلى الله عليه وسلم وما أثمرت، إنها خير من المال الذي غنموه، ذلك هو إسلام أبي العاص والجهر بإسلامه في قريش. والشيء بالشيء يذكر، انظر إلى هذه العزة العربية والأمانة والوفاء والصدق والشجاعة، التي يتسم بها صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أظهر امتناعه عن الإسلام بداية حتى يؤدي الحقوق إلى أهلها... إنها أشياء لا يكاد يتقبلها العقل...

فرضا، لو أسلم قبل أداء أموال قريش، اعتبرها أموال لأعداء الدين وسيتقوون بها على حرب المسلمين، وربما اعتبرها غنيمة باردة له، ولكن مع ذلك فضل أن يكون أمينا وفيا في جاهليته قبل إسلامه رضي الله عنه.

ثم إن من الأمور الدالة على العظمة النبوية هو الامتثال من الصحابة رضوان الله عليهم لما أحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعلوه دون أمر ودون أن يأثموا إن لم يفعلوا...

ولما توفيت زينب رضي الله عنها حزن عليها النبي صلى الله عليه وسلم روى الحاكم في المستدرك  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ بِجَنَازَتِهَا وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَرَأَيْنَاهُ كَئِيبًا حَزِينًا، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَهَا خَرَجَ مُلْتَمِعَ اللَّوْنِ وَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً مِسْقَامَةً فَذَكَرْتُ شِدَّةَ الْمَوْتِ وَضَمَّةَ الْقَبْرِ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهَا»

وقد توفيت السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثمان من الهجرة.

تعليقات

عناصر المقال