جوانب من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم 2
سبقت الاشارة في المقال السابق الى أن
هذه المقالات لتبيين عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأدوار التي يكون
حاضرا فيها، وما زلنا في بيان دوره الأبوي والآن مع موقف آخر من مواقفه الكثيرة
أهلا
بكم في المقال الثاني من سلسلة جوانب من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي هذا المقال سنكمل الحديث عن الرسول الكريم في دوره الأبوي ومع موقف عظيم
وحب متدفق وعاطفة راقية في تعامله مع ابنتيه رقية وزينب رضي الله عنهما.
من جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم تعامله مع ابنته رقية رضي الله عنها
روى
البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "إنما تغيب عثمان عن
بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه."
وفي هذا
الموقف ما يعجز البليغ عن تصويره، من المكابدة النفسية لرسول الله صلى الله عليه
وسلم وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فحين كان يستعد للخروج إلى بدر كانت رقية رضي
الله عنها طريحة الفراش، ومن حنوه صلى الله عليه وسلم عليها ومن الرفق بزوجها
_صاحبه_ عثمان بن عفان رضي الله عنه، أمره إياه أن يمكث لتمريضها ورعايتها، ويؤثر
ذلك على مصاحبته في الخروج إلى بدر لاعتراض القافلة، ومن ثم التغيب عن أول غزوة،
الغزوة الفرقان بين الشرك والتوحيد.
لاحظ أن
موقفا كهذا يجمع بين مواقف ثلاثة: القائد الذي يلزمه الحزم وعدم الانقياد للعواطف،
حتى لو كانت تلك العاطفة هي عاطفة الأبوة، والأب الذي يرى ابنته طريحة الفراش ولا
يسعه المكوث معها وتمريضها والتخفيف من آلامها، والصاحب والصهر الذي
يشفق على حال صاحبه وما يكابده، فعثمان ليس بالرجل الذي يرغب بنفسه عن نفس رسول
الله صلى الله عليه وسلم، لذلك جعل له أجر من شهد بدرا وسهمه. فانظر إلى هذه
الحكمة الأبوية الأخوية القيادية الرشيدة.
من جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم تعامله مع ابنته زينب رضي الله عنها
وفي
المستدرك عن ابن شهاب، قال: كان أكبر بنات النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت
خديجة وسُمع عبيد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي يقول: «ولدت زينب بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم بمكة»
وهي أولى بناته صلى الله عليه وسلم زواجا، وتزوجها ابن خالتها _(هالة بنت خويلد)_
أبو العاص بن الربيع. والقصة ههنا لها جوانب كثيرة، يصعب التعليق عليها في مقال
واحد؛ ذلك أن أبا العاص بن الربيع أُسِرَ فيمن أُسِرَ يوم بدر، ولما بعث أهل مكة
في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء زوجها، وكان
فيما بعثته قلادة كانت قد أهدتها إياها أمها خديجة رضي الله عنها يوم زفافها. فلما
رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكّرته خديجة فرقّ لها رِقّة شديدة صلى الله
عليه وسلم، فقال لأصحابه: إن شئتم أطلقتم لها أسيرها ورددتم الذي لها. فما كان
منهم إلا أن امتثلوا لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترط رسول الله صلى
الله عليه وسلم على أبي العاص أن يرسل زينب رضي الله عنها إليه...
سواء قال القائل أم كف قوله؛ أي الكلمات تنقاد للتعليق على موقف كهذا؟ أي حب ذاك
الذي يكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة حتى يَرِقّ لمجرد رؤية قلادة كانت
لها؟ وأي قائد في الدنيا يعلق أمره بمشيئة أتباعه؟ وأي عظيم هذا الذي يدع ابنته
تحت رجل معاد له ومع قوم معادين له ويصطف معهم لمحاربته؟
أما قصة
زينب رضي الله عنها فليست موقفا أو اثنين، فهي تحتاج كتبا لتؤلف في قصتها هي وحدها
وعظيم صنع الرسول صلى الله عليه وسلم معها، كما أخواتها، ولكن لها قصة تدل على ما
تم تخصيص هذه السلسلة لبيانه، نوردها بإيجاز.
تلك هي قصة هجرتها ولحاقها بأبيها صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولما خرجت مزمعة الهجرة ومعها حموها كنانة بن الربيع، تحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب ونافع بن عبد قيس الفهري، يروعها هبار بالرمح وهي في هودجها فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهراقت دما ... وأخذت الحمية هند بنت عتبة لزينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم فقالت في اللذين اجترءا عليها تعيرهم:
أفي السلم أعيار جفاءً وغلظةً وفي الحرب أشباه النساء العَوارِك؟!
النساء العوارك: الحُيَّض. تقصد أنهم يوم بدر لم يغنوا شيئا والآن يستأسدون على
امرأة ضعيفة .
فاحتملت واشتجروا فيها، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة... فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: «ألا تنطلق فتجيئني بزينب؟» قال: بلى يا رسول الله،
قال: «فخذ خاتمي فأعطها إياه»، فانطلق زيد حتى إذا بلغ مكة، وارى بعيره، ولم يزل
يتلطف حتى لقي راعيا فقال: لمن ترعى؟ قال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم؟ قال:
لزينب بنت محمد صلى الله وسلم على نبينا محمد، فسار معه شيئا، ثم قال له: هل لك أن
أعطيك شيئا تعطيها إياه ولا تذكره لأحد، قال: نعم، فأعطاه الخاتم فانطلق الراعي
فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: وأين
تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه فلما جاءته قال
لها: اركبي، قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه حتى أتت فكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هي أفضل بناتي أصيبت في». راجع كتاب المستدرك للحاكم، الجزء الرابع.
انظر يا
رعاك الله إلى الفطنة التي تعامل بها النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل لها أخاها،
فزيد بن حارثة رضي الله عنه كان حينئذ في منزلة أخيها؛ _إذ كان متبنى للنبي صلى
الله عليه وسلم، وكان ينادى زيد بن محمد، حتى نزل التحريم، ونزلت: "ادعوهم
لآبائهم ..." الآيات في سورة الأحزاب. فصار ينادى بزيد ابن حارثة..._ أرسله
صلى الله عليه وسلم وأعطاه خاتمه، وهو العلامة التي إن رأتها زينب علمت أن أباها
صلى الله عليه وسلم هو من بعث رسوله إليها، فتطمئن إليه.
وانظر
إلى فطنة زيد رضي الله عنه ترك بعيره بعيدا، وتقرب من راعي غنم حتى إذا اطمأن له
أعطاه الخاتم وهو لا يعرف أي شيء يفعل، وهنا موقف يدل على أمانة العرب، فراع بسيط
يؤتمن. ثم تأمل في فطنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أعطاها الراعي
الخاتم وعرفته سألته أين تركت الذي أعطاك الخاتم؟ ثم سكتت...!
قد يبدو
الأمر طبيعيا لمن يشاهد الأفلام والمسلسلات والحكايات المصطنعة، لكن وقوع هذه
الأحداث في ذلك الزمن دليل على الحنكة والفطنة، فأن تكون وسيلة التواصل هي مجرد
خاتم، دون اتفاق مسبق على ذلك، فمنبع الفكرة وصاحبها صلى الله عليه وسلم عظيم
التفكير، ومنفذها جمع بين الجراءة والإقدام والذكاء المتقد، والمتلقي وهي زينب رضي
الله عنها حصيفة لبيبة ذكية.
هذا هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع ابنته في يد أعدائه، ويتطلب لها الأسباب
لاستقدامها، ويخطط ويحكم الخطة ثم يكلف من هو أهل للتنفيذ.
ما أنت يا رسول الله؟؟ صلى الله
عليك وسلم

تعليقات
إرسال تعليق